تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

متحف نجيب محفوظ يرى النور في الذكرى الـ25 لمحاولة اغتياله

محمد عبد الهادي

الثلاثاء 2019/07/16 الساعة 05:40 صباحاً

 

بعد 13 عاما من التعثر، خرج متحف نجيب محفوظ إلى النور في تكية أبوالدهب الملاصقة للجامع الأزهر، ليتحول المبنى التاريخي العريق، الذي تم بناؤه لإيواء الفقراء المسافرين في عهد المماليك، إلى حاضنة لأعمال أديب نوبل، التي أطرت لتاريخ الحضارة المصرية، وقدمت معالجة مبكرة لمشكلات التفكك المجتمعي وأزمات الهوية الوطنية.

حمل متحف أديب نوبل نجيب محفوظ، الذي تم افتتاحه مساء الأحد، مفهوما مغايرا للمتاحف الأدبية المعتادة في العالم، التي لا تخرج عن تحويل المنازل القديمة للمبدعين إلى مزار للمثقفين وعشاق التاريخ، بعد تخصيص مبنى أثري مر على إنشائه قرابة قرنين ونصف القرن بوسط القاهرة التاريخية ليحتضن أهم إنجازاته الروائية ومتعلقاته الشخصية.

 

ويحتضن المتحف الذي ترجع فكرة إنشائه إلى 13 عاما مضت، تكية الأمير المملوكي محمد أبوالدهب المواجهة للجامع الأزهر. ويعود تاريخ إنشاء الصحن التاريخي إلى عام 1774، ويعد ثاني أهم مجموعة أثرية تجسد معالم الفن الإسلامي، بعد مجموعة السلطان الغوري القريبة منها، لتمنحه ميزة إضافية بغمس نجيب محفوظ في تاريخ القاهرة القديمة الذي استهوي على كتاباته وحياته.

 

المتحف يستحضر  الشخصيات الشهيرة من روايات نجيب محفوظ

 

مركز تنوير

لا يخلو اختيار توقيت تدشين المتحف من دلالات ترتبط بسياسة النظام المصري ومعركته ضد الإسلام السياسي، فالافتتاح تزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لمحاولة اغتيال محفوظ على يد متطرفين تنفيذا لفتوى إهدار دمه التي أطلقها مفتي الجماعة الإسلامية عمر عبدالرحمن ردا على روايته “أولاد حارتنا”.

 

ويُولي المتحف عناية كبيرة بتلك الحادثة في رسالة على خطورة التطرف الديني فخُصص في قلب المتحف حائط كبير سرد وقائعها وتداعياتها على حياة الأديب، مع عناية خاصة بـ”أولاد حارتنا”، التي كانت سببا في هجوم التيار الديني عليه، لتملأ اقتباساتها الأروقة وتجذب عدسات المصورين خصوصا مقولة “ما أعرَف أولاد حارتنا بالحكايات!.. فما بالهم لا يعتبرون؟”.

ويقول كريم الشابوري، المسؤول عن تصميم المتحف، وصاحب سيناريو العرض المتحفي، لـ”العرب”، إن متحف نجيب محفوظ سيكون مركزا تنويريا ثقافيا في قلب القاهرة التاريخية ليكمل تاريخ تكية أبوالدهب كمقصد لعابري السبيل والمتصوفين والدراويش وطلاب العلم، وتلك الأدوار ستعود مجددا مع تغير وضعية الموقع وضمه أعمال نجيب محفوظ.

 

ووفرت الحكومة التمويل اللازم للتغلب على العقبات الإنشائية والمالية، التي لازمته منذ ولادة فكرته عام 2006، فوفرت 15 مليون جنيه (904 آلاف دولار) من الموازنة العامة، لسرعة إنجازه، مع تغيير مساحته من قاعتين فقط إلى سبع قاعات ومنحه طابقين من أصل ثلاثة طوابق تتكون منها التكية، واتخاذ تجهيزات إنشائية إضافية لتحاشي تضرره من الرطوبة والمياه الجوفية.

 

المتحف يحاول أن يقدم التصور الذي وضعه أديب نوبل لنفسه في خطابه وقت استلام الجائزة عام 1992

 

وربما يعطي تاريخ التكية ذاته، المتحف عناصر جذب إضافية، فوزارة الآثار المصرية تصنفها كثاني أهم مجموعة أثرية تجسد روعة العصر الإسلامي بعد مجموعة السلطان الغوري، بما تضمه من تشكيلات فنية تظهر عناصر الفن المعماري المملوكي من مسجد بقبة ضخمة ومئذنة صغيرة، ومحراب للتعبد وإقامة الصلاة وحلقات الذكر، بجانب مدرسة كان هدفها مساعدة الأزهر في رسالته العلمية مع لعب دور آخر يتعلق بممارسة خدمات صحية للزائرين.

 

ويضم المتحف قاعات للندوات وعدة مكتبات عامة ونقدية تضم مكتبة محفوظ الشخصية بعدد 1091 كتابا و779 أخرى تم إهداؤها إليه، وأهم الأبحاث والدراسات عن أعمال صاحب نوبل، ووسائط سمعية وبصرية، وقاعة أخرى للمؤلفات التي تضم جميع أعماله بطبعاتها القديمة والحديثة ومنها ما هو منسوخ بخط اليد.

 

وأعلنت وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم، خلال الافتتاح، عن توفير خمس منح لكتابة السيناريو والرواية والقصة القصيرة وتخفيض بنسبة 50 بالمئة على إصدارات وزارة الثقافة التي سيتم توفيرها داخل المتحف الذي سيدخله الجمهور مجانا لمدة شهر كامل، على أن يعمل بعدها بأسعار رمزية لا تتجاوز دولارا واحدا ولفترتين يوميا ما بين مسائية وصباحية.

 

المتحف يضم قاعات للندوات ومكتبة عامة ومكتبة محفوظ الشخصية ووسائط سمعية بصرية ومؤلفات محفوظ وأغراضه الشخصية

 

ويتضمن الأعمال المترجمة إلى اللغات الأجنبية وعدة قاعات أخرى تحمل أسماء «الحارة ــ رثاء ــ أحلام الرحيل ــ أصداء السيرة ــ تجليات ــ نوبل”. كما نجد في المتحف بعض المتعلقات الشخصية للأديب الراحل من بطاقة هويته الشخصية أثناء الشباب ومكتبه وكرسيه ونظارته وملابسه وحذائه وعصاه، وعلبة سجائر كان يدخنها خلال محاولة اغتياله أمام منزله عام 1994، والجوائز والقلادات والنياشين والدروع والشهادات التي حصل عليها.

 

ويضيف الشابوري أن المتحف استغرق وقتا طويلا في التدقيق وجمع المعلومات وربط الأحداث بمادتها التاريخية من أجل تحقيق الهدف الأساسي بمعايشة الزائر مع روح روايات محفوظ ونقل الحالة التي كان يعيشها عند الكتابة إليه، وتسهيل عرض محتويات مكتبته الشخصية التي تضم كما كبيرا من الكتب.

 

 

زواج بين حضارتين

يستحضر المتحف، الذي تم اختيار الأديب يوسف القعيد مديرا له، الشخصيات الشهيرة من روايات نجيب محفوظ، بشكل يجعل الزائر يشعر بالفعل أنه بداخلها، فأبطال أعمال، التي تحولت على السينما تم عرضهم بأسمائهم الروائية وليس الشخصية ليصبح الممثل يحيى شاهين هو السيد أحمد عبدالجواد في ثلاثيته (بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية)، والفنانة شادية هي زهرة بطلة رواية “ميرامار”.

 

ربما يحمل المكان تنافسا بين الزمن وتطوراته ما بين البناء العتيق من الخارج الذي فقد الكثير من نقوشه المذهبة الشهيرة والأرضيات الخشبية المستحدثة ووسائل الإضاءة الحديثة وكاميرات المراقبة في الداخل، وما بين الحارات الملاصقة التي تعج بالمنتجات التراثية والحديثة التي تجذب السائحين، وتجليات الحارة العتيقة التي قدمها أدب محفوظ في رواياته بملامحها وعاداتها وتقاليدها وملابسها وشخوصها.

 

ويتضمن المتحف ركنا خاصا بمقهى “الحرافيش” الذي كان يشهد تجمع الأدباء والفنانين بصحبة نجيب محفوظ وخصص له رواية باسمه تتضمن عشر قصص لأجيال عائلة سكنت حارة مصرية غير محددة الزمان ولا المكان بدقة وتم تجسيدها في عدة أعمال، منها “الحرافيش” و”المطارد” و”شهد الملكة” و”الجوع” و”التوت والنبوت” والتي أعاد خلالها إعادة اكتشاف القاهرة التاريخية أدبيا وإنسانيا.

 

ويعتمد المتحف على فكرة المعايشة لكسر الملل الذي قد يصيب زائري المتاحف الشخصية في العادة، ففي رحابه يمكن للزائر أن يتخيل ويتعايش مع روتين يوم كامل في حياة أهم أديب مصري وعربي بدءا من ارتدائه ملابسه وانغماسه في كتاباته وقراءاته المعتادة مرورا بتجواله في شوارع الجمالية وجلوسه على مقاهيها واكتشاف إسقاطاته العامة التي تخرج من عباءة الحارة إلى المجتمع ككل مثل “لو ظل التخلف في مجتمعاتنا فسيأتي السياح ليتفرجوا علينا بدلا من الآثار”، و”أصحاب المصالح لا يحبون الثورات”.

 

ويحاول المتحف، الذي تبلغ مساحته الإجمالية 1600 متر موزعة على طابقين، أن يقدم التصور الذي وضعه أديب نوبل لنفسه في خطابه وقت استلام الجائزة عام 1992، بتأكيده على أنه نتاج حضارتين تزوجتا في عصر من عصور التاريخ، زواجا موفقا ممثلتين بالحضارتين الفرعونية والإسلامية.

 

وتميز أدب نجيب محفوظ بحالة خاصة تجعله محل تقدير دائم كأهم أدباء مصر فرواياته استشفت المستقبل بصورة نادرة فـ”ثرثرة فوق النيل” كانت مؤشرا قويا للهوية التي يتجه إليها المجتمع و”أولاد حارتنا” مثلت بداية حقيقية لمحاربة التطرف بالبحث عن القيم الروحية والوجودية للإنسان، ورواية “القاهرة الجديدة” ما هي إلا توقع مبكر لانهيار الهوية الوطنية، وبطلها محجوب عبدالدايم لا يزال مثلا يطلق على المنافق الذي يضحي بأي شيء حتى بشرفه من أجل الوصول السريع.

 

ـــــــــــــــــ

لتعرف كل جديد صوت وصورة والاخبار العاجلة أولا بأول قبل نشر تفاصيلها في الموقع تابع قناة "يمن الغد" على اليوتيوب وصفحات الموقع على تويتر وفيس بوك تكرم بالدخول اليها عبر هذه الروابط:

 يوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UC8VZ0CE_uJ6JXTKIS5r09Ow

تويتر:

https://twitter.com/Yemengd

فيس بوك:

https://www.facebook.com/yemenalghadd/?ref=page_internal

 

 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص